Freitag, 8. November 2019

Donnerstag, 7. November 2019

المذكرة الثامنة


  المرء لا يعرف قيمة الاشخاص والاشياء، الا حين يفقدها، وذلك ان الف العادة يجعلها غير ذات بال، ولكن تغير العادة بزوال او اختفاء تلك الاشياء يشعر حينها باهميتها، فالشمس في بلاد البرد والغيوم لها قيمة ليست لها في البلاد الصاحية الساخنة، بل ان اهل شمال اوروبا ينفقون الاموال للتمتع باشعتها، فبكثرة الامساس يقل الاحساس.  اقول هذا الكلام وانا اتذكر اول مرة سمعت فيه الاذان في هذه الرحلة، فهذه النعمة، لا يعرف قدرها الا من فقدها، واني لاعجب ممن ينادي بتخفيض صوته، وربما في مستقبل الايام ان ينادى بالصلاة فقط في المساجد، كالحال في البلاد غير الاسلامية، ولقد انخفض صوته الى درجة لا تكاد تتبين ما يقوله المؤذن الا على مسافة قريبة من المسجد، واحيانا تكون في مكان تسمع فيه اكثر من اذان ولا تفهم ما يقوله، ولقد صدق من قال : احيانا في رمضان نسمع قبيل المغرب صوت دراجة نارية فنظنه اذان المغرب، فصوت الدراجة لا يختلف عن الاذان.  اما في بلاد الغرب فلا تسمع الاذان الا داخل المساجد، فلا يكون وقعه كوقعه هنا لانك تسمعه وانت منهمك في شغلك، بخلاف هناك فانت تسمعه وانت قد جئت اصلا للصلاة في المسجد. كذلك حين تدخل الى المساجد في المغرب، تحس بذلك، فلا تكاد تنسى دعاء الدخول والخروج منه، أما في البلاد الغربية، فلا تحس بانك داخل الى المسجد لانه احيانا يكون بابه كباب البيوت الاخرى، وبعضها بابه كباب المآرب، وقد حدث مرة ان زرت مسجدا في احد المدن الالمانية، رفقة بعض الاخوة، ولما اردت زيارته مرة اخرى، ظللت احوب الشارع الذي كان فيه جيئة وذهابا، فلم اعثر عليه، حتى يسر الله تعالى لي احد الاخوة الذي كان ميمما المسجد فذهبت معه، ومن الطرائف العجيبة ان احد المساجد كان بجواره مرقص فاضح، عليه صور فاضحة، فنزل احد المسافرين بفندق قرب ذلك المسجد، فكان يرى اصحاب اللحى والقمصان، يدخلون الى المسجد، من بابه الذي ظنه بابا للمرقص لقربه منه فاستغرب كيف يدخل اصحاب هذا الزي الى المرقص، ولم يزل استغرابه الا حين علم بان الباب للمسجد، وهذا من مساوىء تلك البلاد، ان تجد الخمارة والمرقص بجوار المسجد، بخلاف بلادنا فمهما بلغ بعد الناس عن الدين فما زالوا يحترمون المساجد والشعائر الدينية، ويحترمون من يرون منه الاستقامة.  ومما اختم به هذه الحلقة مما لاحظته في بعض المساجد، وهو امر لا ادعي فيه الحكم على البواطن، فتلك علمها الى علام الغيوب، ولا ازعم كذلك اني سالم من العيوب، ولكن هناك اهمية للسمت الظاهر في القدوة والاسوة، فقد اشترط العلماء المروءة والعدالة في بعض الوظائف، منها الامامة، فقد لاحظت اهمال بعض الائمة للسمت الظاهر من اعفاء اللحى، او على الاقل ترك بعضها، فبعضهم هداهم الله تعالى يحلقها يوميا، ولا تكاد تفرق بينه وبين موضفي البنوك الا بالجلباب.

المذكرة السابعة


 بدأت مشاعر مختلفة تزدحم في داخلي، وصرت اتخيل ما سيستقبلني في هذه الرحلة، وكيف غير الزمان ملامح الاقارب والاحباب، هذه الافكار كانت مصاحبة لي منذ بداية الرحلة، كما ذكرت لكم، ولكنها كلما اقتربت من الهدف ازدات، وما ان اعلن الطيار عن الاستعداد للهبوط، وربط احزمة السلامة حتى بدات اتوتر اكثر، وكما كان الاقلاع مهيبا ومشعرا باحساس عجيب تتجلى فيه قدرة الله تعالى، كذلك الهبوط، فالطائرة بدات ترتج وتضطرب كانه تسير على طريق غير معبد وتصطدم بالصخور، وذلك لانها فعلا تصطدم بالتيار الهوائي في طبقات جوية مختلفة الضعط. ورويدا رويدا تبدأ الارض تكبر شيئا فشيئا حتى تعود الى حجمها الطبيعي، وهنا يخيم جو من الهدوء داخل الطائرة، الى ان تصطدم عجلات الطائرة بالارض وتستقر عليها هنا ينطلق الركاب بالتصفيق مهنئنا وشاكرا الطيار الذي كان سببا في سلامتهم، ويغفل اكثرهم عن مسبب الاسباب سبحانه وتعالى. لقد عدنا الى الارض وكنا معلقين بينها وبين السماء. بعد اجراءات الدخول المعتادة، من فحص الاوراق وتسجيل الدخول، هذه الاجرات التي نضيق بها صدرا، وقد صبرنا على ساعات قبلها منذ فارقنا بيتنا، فترى الناس يهرعون الى ان يكونوا هم الاولين، وما ذلك الا لانهم يضيقون بالانتظار ذرعا، والا فالاوقات تضيع في اشياء اخر لا قيمة لها، ولان عاب البعض بطأ الموظف عندنا فمن المؤسف ان اولئك الذين كانوا يلتزمون بالنظام هناك في الغرب، فكلهم يقف في الصف حتى ياتي دوره، ما ان تطأ ارجلهم ارض البلاد حتى يختل ذلك النظام، وتقع الفوضى، فلعل ذلك راجع الى عامل نفسي، او هرمون خاص بالبلاد، يتغير حسب نظام البلد الذي يدخله. بعد تلك الاجرات واستلام الامتعة، وجدنا في استقبالنا خالتي فاطمة وابنها محمد الذي استقبلني بمزاحه المعهود، حاله حال اليه الحاج مبارك، فزعم اني تاخرت في الخروج بسبب التحقيق لطول غياب عن البلاد، وبسبب اللحية، والى جماعة انتمي. وفي طريق المطار الى البيت، جعلت القب النظر في جنباته، كل شيء تقريبا كما عهدته غير ما اتى عليه من اختلاف الملوين، فاشجار اركان التي تركتها وهي شجيرات بغابات الاركان قبيل المطعر قد صارت عظيمة، وسور محمية طبيعية، قد انشأها احد الخليجيين على مقربة من المطار، قد تقادم عهده، وصار لونه باهتا، الطرقات مكتظة، والنظام عدم النظام. اذا كان الشيخ الحويني حفظه الله تعالى قد استغرب فوضى الطرق لما عاد من رحلة علاجه من المانيا، والتي استغرقت اشهرا قليلة فكيف بمن عاش هناك حينا من الدهر ليس بالقليل، لذلك كل من زار المغرب من ابنائه يشكر البلاد ويشكو من العباد، وغالبا ما تسمع ( المغرب زين ولكن البشر)، فاقول له : (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) وقلت لاحدهم مرة ليست المشكلة في الناس في البلاد، ولكن المشكلة فينا لاننا تعودنا على نظام هذه البلاد، فصرنا نحاكم اليه اهل بلدنا. لذلك فما على الزائر الا ان يتاقلم مع الوضع، لان كثرة التبرم من الوضع لن تغيره، وبدل لعن الظلام اشعل شمعة. وليحاول المرء اصلاح نفسه اولا ومن في رعايته، فاذا فعل فهو عظيم، واما ان نشكو من المشكلة ونحن منغمسون فيها بل وجزء منها، فلا اراه الا صرخة في واد ونفخة في رماد.

المذكرة السادسة


من عجيب قدر الله تعالى ان تكتب هذه المذكرة، في الموضع الذي عشتم فيه معي احداث المذكرات الثلاثة الاخيرة، وارجو الله تعالى ان يوفقني لاتمها عند الموضع الذي توقفت فيه الاخيرة منها، وهو هبوط الطائرة، فاكون هنا كمن تكاسل عن الصلاة حتى دخل عليه وقت الاخرى، فربما نقرها نقر الديك، ولكني ان شاء الله تعالى لن انقر هذه المذكرات ولن اقرن بين السفرين، بل افرد كل منهما بمذكرات، لانهما مختلفين في الوقت والاسباب. وكتابة هذه المذكرات قد فتحت علي ابوابا كثيرة من التشجيع، وكذا الهمة في مواصلة كتابتها، فمن التشجيع الذي تلقيته، من يرجو لي مستقبلا زاهرا في الكتابة ، وانه من الممكن ان امشي بعيييدا هكذا بمد مشبع بست حراكات، ومن اغربها: لقد جعلتني هذه المذكرات اكتشف فيك اشياء جديدة، لم اكن اعرفها، كذا قالت اختي التي تعرفني منذ وطئت هذه، اقصد تلك الارض التي لا ارى منها الا خطوطا، كانها قطعة فنية مرسومة على ورقة، ما لم يحل بيني وبينها السحاب، بل وكتبت الي وانا في المطار تذكرني باستغلال الرحلة لمواصلة الكتابة. ولا تتفاجئ اختاه ان قلت لك انني اكتشف كل يوم في شيئا جديدا وانني الان امام محك جديد. من جهة اخرى لقد جعلتني هذه المذكرات، انظر الى هذه الرحلة بعين اخرى، لاني تذكرت ما كتبته في الماضي منها والطائرة تقلع قبل قليل، واحاول التركيز على امور، لم تكن تسترعي اننباهي، باختصار لقد جعلتني استعمل كاميراتي الذهنية لالتقاط الصور، ولعلي اوفيكم ببعضها لاحقا، لان في الجمع بين الصلاتين يحافظ فيه على الترتيب والقضاء اولى من الاداء. واسمحوا لي هذه المرة ان اقرن بين الرحلتين، لان الكلام الذي زورته في نفسي لهذه المذكرة قبل الكتابة، يليق بهما معا. اما بعد: فاني قبل اي رحلة سفر تخطر لي مخاوف وخواطر مما قد يقع فيها، وهذه المخاوف لا اظن انها خاصة بي بل هي في فطرة، اي انسان، فاقول ماذا لو كانت الاخيرة، وماذا لو قدر الله الا نهبط الى تلك الارض، وقد يلقي الشيطان في روعي امورا مما يتطير به، والعجيب اني قبل احد الرحلات بايام قلائل، شاهدت فيلما تدور احداثه عن طائرة وقع فيها عطل او عطب مما القى الرعب في القلوب، ولم تنزل الا بشق الانفس بعدما عاين الركاب الموت مرارا، فقلت ماذا لو كان هذا نذيرا لي الا اسافر هذه المرة، وهذا حال العقل البشير قد يقع توكيزه على امور تحدث امامه مرات وكرات، فيظنها تحدث لاول مرة، وانها تحمل رسائل. ان السر الذي يجعل المومن يطمئن الى هذه الوسائل هو ايمانه بان ما اصابه لم يكن ليخطئه، وما اخطأه لم يكن ليصيبه، رفعت الاقلام وجفت الصحف، والا من منا يامن الا يكون حتفه بشربة ماء، او كسرة خبز، او ياتيه الموت وهو غاط في نومه، فالتسليم لقضاء الله وقدره يويح النفس، وبجعلها لا تعرف تشاؤما او تطيرا، وان تقدم على ما ينفعها بعد استخارة الله تعالى وتاخذ بالاسباب، والا فلا احد يستطيع ان يقول لنا ان الطائرة ستهبط بعد اقلاعها مئة بالمئة. فنسال الله تعالى ان يرجعنا الى الارض سالمين غانمين. ما دمتم تقرؤن هذه المذكرة فقد رجعنا الى الارض ولله الحمد على السلامة.

المذكرة المغربية ٥


 لم اتصور وانا اكتب هذه المذكرات، أن تاخذ هذا المنحى، فهي كالمسافر الذي يخرج للرحلة على غير قصد، وغايته أن يرى الدنيا وما حوته من عجائب، وقد يقصد الى مكان فيسمع عن آخر فيحول وجهته اليه، وكذلكم هذه المذكرات، الغرض وصف رحلتي، فيصادفني اثناء ذلك حادث مشابه في حياتي لما انا بروايته فاعرج عليه ثم ارجع الى مواصلة حديثي فالغرض هو إمتاع القارىء بهذه السطور، وقد يرد علي من القراء الكرام تعليق فوحي إلي بافكار أخرى، فأرقمها في بداية كل مذكرة، فتجمع بين الذكريات والمقال، فالمهم اصبروا معي على ذلك. قال لي محدثي لما قرأ ما كتبته من مشاعري في طول الغربة عن الوطن، ان المرء يعجب منك وهو يراك يظهر عليك الفرح وتبتسم وتضحك، وانت تحمل تلك الهموم، فقلت له بارك الله فيك، إن من فضل الله علينا، ان تلك المشاعر لا تكون ملازمة للمرء سائر يومه، فقد ينشغل عنها بغيرها والا كان مصابا بالاكتئاب والغم، فنعوذ بالله من الغم والهم. اما بعد: فقد ركب بجواري في الطائرة، مسافر، من النوع المميز، فقد رايته قبل اقلاع الطائرة ينظر الى النافذة، ولكنه لم ينبس ببنت شفة، فعلمت انه يتوق لمشاهدة الخارج، وكنت جالسا بجوار النافذة، فرحمته واشفقت عليه، فهو يريد التمتع برؤية العالم الخارجي، المتعدد المناظر بدل هذه المقصورة الضيقة، التي يستطيع المرء اكتشاف كل ما بداخلها في لحظات يسيرة، فاردت ان اعرض عليه تبادل الامكنة، فترددت اولا ولما عرضت عليه الامر، اشار براسه ان نعم ولكن الطائرة كانت على وشك الانطلاق، وكانا قد لبسنا حزام الامان، فقال له والده، انتظر حتى تستقر الطائرة في جو السماء، ولما استقرت كان صاحبي الصغير، قد انشغل باللعب في جوال والده، ونسي النظر الى النافذة، وكذلك الاطفال يفعلون فهم لا يستقرون على راي وسرعان ما يملون، الا اذا تعلق الامر باللعب، فهم لا يكادون يملون منه، وربما سمح لابيه ان ياخذ دوره في اللعب، ولما اقتربنا من الهبوط، واخذ منه والده هاتفه ليغط في نومه، سالته ان كان يريد ان ينظر من النافذة، فشار ان نعم، فتبادلنا الامكنة، فجعل ينظر منها مدة ثم سرعان ما مل، وجلس واغلقها، ثم التفت وراءه فوجد طفلين فساله احدهما عن سنه، واسمه وسرعان ما بدأ التالف بينهم، وشرعوافي اللعب والمرح. هذا الطفل عاد بي الى طفولتي لاقارن نفسي به حيث انه في هذه السن التي دون الخامسة وهو يركب الطائرة غير خائف ولا وجل، بل متبسما ضاحكا مرحا، جعلني اعجب من حالي في مثل هذه السن كيف كنا نخف من اشياء اقل من هذا، فقد كنت اخاف ممن يلبس النظارة ، ولا تسالوني لماذا، بل كانوا يخوفننا بأولاد المسلمين، لا تعجبوا نعم كنا نخاف اولاد المسلمين، اي اننا كنا نخاف من انفسنا، ولعل هذا مما تلقفه الناس في قريتنا من اليهود الذين كانوا يعيشون فيها، المهم لقد تربينا على الخوف من اشياء لا حقيقة لها، بل قد تضحكون مني او تعجبون ان هذا الخوف ظل ملازما لي حتى وانا فوق العاشرة ، فقد كنت اخاف ان ازور الطابق العلوي في بيتنا بالليل وحدي، ولو كانت الانارة الكهربائية متوفرة، ولعل السبب في ذلك ان اهلينا كانوا يخوفننا كثيرا بالغول وما شابه لاسكاتنا او لايقاف شغبنا، غير عالمينا باثار ذلك السلبية على نفسية الطفل. الان وقد اوشكت الطائرة على الهبوط، ادركتاني اطلت الحديث عن الرحلة التي استغرقت فقط اربع ساعات، ولقد ذكرني فعلي هذا بحلقات الكابين ماجد التي تدوم اياما في سرد ذكريات ماجد، بين تسديده الكرة الى المرمى وبين وصلها اليه.

المذكرة المغربية ٤


 

المذكرة المغربية الرابعة

التشجيع حقا من مفاتيح العطاء والإبداع فمنذ مدة وأنا أعاني من رغبة عن كتابة هذه المذكرات، وإن كنت لا أنوي تركها بالكلية، ولكني أعاني من جمود القريحة وانشغال البال بالامور الاخرى، ولكن ما ان شجعني بعض المتابعين بكلماتهم الجميلة وحثوني على المواصلة، وأشعروني باستمتاعهم بما أكتب حتى وجدت نشاطا للكتابة كأنما كلامه رقية أنشطتني من عقال، فالتفاعل مع الكاتب مما يعينه على الكتابة، وقد جربت ذلك منذ سنين حين كنت أكتب في المنتديات أثناء رواجها كيف تمكنت من كتابة عدد لا بأس به من المقالات في مشوار طلب المعرفة الذي مررت به، بسبب تفاعل الاعضاء معي، والآن منذ سنتين وانأ احاول إعادة كتابة تلك المقالات فما تجاوزت فيها عدد أصابع اليدين.
 اما بعد: فقد عشت وإياكم في الحلقة الماضية أجواء الطائرة وهي محلقة في جو  السماء ما يمسكها إلا الرحمن، ونحن نعجب من قدرة الانسان على تسخير هذه الوسائل، وننسى الذي خلقه وأعطاه من الوسائل لتسخيرها، فما الانسان إلا مكتشف لتلك القوانين لا واضع لها. وانأ انظر الى السحاب تحت الطائرة وهو كالجبال تعجبت من أمرين قدرة الله التي سخرت هذه الاطنان من الماء فبقيت سابحة بين السماء والارض، ومن قوله تعالى (( والسحاب المسخر بين السماء والارض)) وقد كنت وأنا صغير أظنه ملتصقا بالسماء، وقد تعجبون من سذاجتي تلك انتم الآن، لأن حقيقة كون السحاب بين السماء صارت من المسلمات، ولكن هل كان الناس يعلمون ذلك قبل الاكتشافات العلمية في القرن الماضي، أما كانوا لا يعرفون إلا مثل سذاجتي الطفولية، ولا يعرفون أن هناك فراغا بينه وبين السماء التي نراها وأنه من الممكن أن يجلس إنسان بين السحاب والسماء في طائرة، وتلك اية من آيات النبوة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. والسي بالسي يذكر بما أنني ما زلت داخل الطائرة، تذكرت أول رحلة عودة إلى المغرب، أما اول رحلة مغادرته فقد صارت عندي نسيا منسيا، ولا أتذكر منها ذلك الخوف الذي اصابني عند الإقلاع والهبوط، فقد كانت ترتج ارتجاجا مخيفا، يخيل إليك منه أنها ستسقط وأنه آخر عهدك بالدنيا، مع ما يصحبه من الغثيان ولو ان الله سلمني لتقيأت كحال أخي وأختي، التي استعادت نشاطها تقريبا بعد الهبوط اما اخي فقد ظل حبيس البيت يومين. اما رحلة العودة الاولى فقد تذكرت منها اليوم وأنا أرقم  هذه السطور حادثا عجيبا، يدل على سذاجتي ليست الطفولية بل الشبابية (أو المراهقية) فقد ارتبط بالكتاب قبل الخروج من الوطن، ولكن ارتباطي به اشتد لما وجدت نفسي في معزل عن الوطن آنذاك بسبب شح الاخبار ووسائل الاتصال حينها، فقررت اثناء تلك الرحلة اصطحاب كتاب معي لأشغل به الوقت في الطائرة، والمصيبة ليست في اصطحاب الكتاب ولكن في الكتاب نفسه، فقد وقع اختيار السيء على مذكرات الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى، واني لأعجب الآن من غفلتي تلك وسذاجتي، فكشك رحمه الله معروف بمواقفه من كل الحكام، فلست ادري لماذا لم افكر في العواقب التي ستترتب علي من جراء مذكراته تلك، ولكن الوالد حفظه تعالى لما لمح عندي الكتاب قبل النزول بقليل وعليه صورة الشيخ تغير وجهه وغضب وسحبه مني ولست ادري اين خبأه، وكان من فضل الله علينا ان صحبنا أحد أصدقاء الوالد وله معارف في المطار فخرجنا دون تفتيش الجمارك. وقد عاتبني الوالد جزاه الله خيرا كثيرا على تصرفي الطائش، فقررت ترك الكتاب في البلاد، رغم اني استعرته فقط من احد اصدقائي، وظل الكتاب عند ابن عمتي الاستاذ محمد بموح ـ وهو من المتابعين لهذه المذكرات والمشجعين على مواصلة كتابتها ـ  ثم استرجعته منه لما طالبني صديقي به، ولكن بعد الحادثة هذه بسنين، وقد خفت الاوضاع الامنية. بعد هذا الفاصل نرجع الى الرحلة الحالية، حيث الطائرة تحلق الآن حول اجواء المملكة، إنه حقا شعور غريب، يشعر به المرء وهو فوق أرض الوطن، ولعله بسبب المآرب التي تقضت هناك في زمن الصبا، كما قال الشاعر ابن الرومي :
ولي وطن آليت أن لا أبيعه
 
وأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
  
فقد ألفته النفس حتى كأنه
 
لها جسد لولاه غودرت هالكا
  
وحبب أوطان الرجال إليهم
 
مآرب قضاها الشباب هنالكا
  
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهموا

عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
  
أظن أني قد أطلت هذه المرة وانتقلت بكم من هنا وهناك كأنه هذيان محموم أو عربدة مخمور ولكني ذكرتكم بهذا في المقدمة، وانتم قبلتم شروطي وإلا لما وصلتم معي الى هذا الموضع.

المذكرة المغربية ٣



مذكرات الرحلة المغربية 
 

/ المذكرة المغربية ٣

 
ينبغي المبادرة الى كتابة المذكرات واليوميات لمن أراد الاحتفاظ بتلك الذكريات مرقمة بالحروف، لان تأخيرها يترتب عليه نسيان بعض التفاصيل، أقول ذلك لأني وجدت أمر الدخول الى كتابة هذه المذكرة صعبا علي ليس لأني لا أتذكر بالكلية، ولكن من أين أبدأ الموضوع .
  لقد توقف بنا الحديث في المرة الماضية عند إقلاع الطائرة، هذا الإقلاع الذي يجعل المرء يحس بعظمة الله تعالى وشعور عجيب، وأن حياته في مهب الرياح، ولا يملك إلا ان يدعو الله تعالى ان يرده الى الارض سالما، كما يعجب من تسخير الله تعالى هذه القوى للإنسان بدءً بخلقها حسب قوانين محكمة وانتهاءً بالعقل الذي استطاع أن يكتشفها ويستخدمها.  وما إن استقرت الطائرة في جو السماء حتى بدأ الميضفون في عرض السلع من طعام وشراب وهدايا، وبدأ الناس في الطلب، وتحولت الطائرة الى مطعم بروائح الطعام، أما أنا فليس من عادتي الاكل أمام الناس، وهي عادة لعل أصلها يرجع الى ما نشأت عليه في القرية، فالناس هناك يتشاركون الطعام، وإذا مر بهم احد وهم ياكلون دعوه الى مشاركتهم، بل ما زلت أذكر أنني كنت استحي من حمل الخبز الذي كانت تصنعه لي الوالدة جزاها الله خيرا، للإفطار في مدرسة تنكرت العتيقة، حيث كنت أتقاسم غرفة فيها مع أبناء عماتي وكنا نحضر خبز الافطار بالتناوب  فيوم نوبتي كنت أحمل الخبز مخبأ تحت الجلباب، مدخلا يدي من جيبه الجانبي، حياء من أن يراه الناس على عادة اهل البلد، وكذلك كنت أيام الجامعة لا أستطيع الاكل إلا في اماكن منعزلة، وقد تظنون أنها من البخل الذي نتهم به نحن اهل سوس زورا وبهتانا، ولكني أفعل ذلك حياء من الاكل أمام الناس لما ذكرت لكم من عادتنا في الاكل، وإلا فهل استطيع ان اشارك الجامعة كلها طعامي.  المهم حين انشغل الناس بالاكل وجوالاتهم، كنت أقضي الوقت في قراءة كتاب اخترته جليسا لي في الرحلة، وبه قطعت وقت الانتظار في المطار، وليس مثل الكتاب معينا على تفادي الملل في لحظات الانتظار سواء عند الطبيب أو المطار أو المحطة وما شابه، وفي السفر بمختلف وسائله، خصوصا إذا كان ماتعا أو منوع المواضيع، ومثله في ذلك مثل جهاز (mp3) فهو أيضا معين على الاستفادة من الوقت في هذه اللحظات.  وكان الكتاب الذي صحبته في هذه الرحلة هو كتاب : متعة الحديث للكاتب الاديب محمد الداوود، فهو متنوع المواضيع في مختلف الابواب، قد احتوى على امثال وأقوال وأبيات شعرية، تختزل تجارب الامم والأشخاص، ولروعته فقد قرأته في هذه الرحلة إلا ورقات يسيرة، وربما قطعت القراءة فيه، لمشاهدة الارض من الطائرة والنظر الى السحاب المسخر بين السماء والارض، وأحيانا لمطالعة كتاب الفرج بعد الشدة للتنوخي، في المكتبة الشاملة في المحمول.

/ المذكرة المغربية 2   مفقودة حاليا