المذكرة المغربية الرابعة
التشجيع
حقا من مفاتيح العطاء والإبداع فمنذ مدة وأنا أعاني من رغبة عن كتابة هذه
المذكرات، وإن كنت لا أنوي تركها بالكلية، ولكني أعاني من جمود القريحة وانشغال
البال بالامور الاخرى، ولكن ما ان شجعني بعض المتابعين بكلماتهم الجميلة وحثوني
على المواصلة، وأشعروني باستمتاعهم بما أكتب حتى وجدت نشاطا للكتابة كأنما كلامه
رقية أنشطتني من عقال، فالتفاعل مع الكاتب مما يعينه على الكتابة، وقد جربت ذلك
منذ سنين حين كنت أكتب في المنتديات أثناء رواجها كيف تمكنت من كتابة عدد لا بأس
به من المقالات في مشوار طلب المعرفة الذي مررت به، بسبب تفاعل الاعضاء معي، والآن
منذ سنتين وانأ احاول إعادة كتابة تلك المقالات فما تجاوزت فيها عدد أصابع اليدين.
اما بعد: فقد عشت وإياكم
في الحلقة الماضية أجواء الطائرة وهي محلقة في جو السماء ما يمسكها إلا الرحمن، ونحن نعجب من قدرة
الانسان على تسخير هذه الوسائل، وننسى الذي خلقه وأعطاه من الوسائل لتسخيرها، فما
الانسان إلا مكتشف لتلك القوانين لا واضع لها. وانأ انظر الى السحاب تحت الطائرة
وهو كالجبال تعجبت من أمرين قدرة الله التي سخرت هذه الاطنان من الماء فبقيت سابحة
بين السماء والارض، ومن قوله تعالى (( والسحاب المسخر بين السماء والارض)) وقد كنت
وأنا صغير أظنه ملتصقا بالسماء، وقد تعجبون من سذاجتي تلك انتم الآن، لأن حقيقة
كون السحاب بين السماء صارت من المسلمات، ولكن هل كان الناس يعلمون ذلك قبل
الاكتشافات العلمية في القرن الماضي، أما كانوا لا يعرفون إلا مثل سذاجتي
الطفولية، ولا يعرفون أن هناك فراغا بينه وبين السماء التي نراها وأنه من الممكن أن
يجلس إنسان بين السحاب والسماء في طائرة، وتلك اية من آيات النبوة المحمدية على
صاحبها أفضل الصلاة والسلام. والسي بالسي يذكر بما أنني ما زلت داخل الطائرة،
تذكرت أول رحلة عودة إلى المغرب، أما اول رحلة مغادرته فقد صارت عندي نسيا منسيا،
ولا أتذكر منها ذلك الخوف الذي اصابني عند الإقلاع والهبوط، فقد كانت ترتج ارتجاجا
مخيفا، يخيل إليك منه أنها ستسقط وأنه آخر عهدك بالدنيا، مع ما يصحبه من الغثيان
ولو ان الله سلمني لتقيأت كحال أخي وأختي، التي استعادت نشاطها تقريبا بعد الهبوط
اما اخي فقد ظل حبيس البيت يومين. اما رحلة العودة الاولى فقد تذكرت منها اليوم وأنا
أرقم هذه السطور حادثا عجيبا، يدل على
سذاجتي ليست الطفولية بل الشبابية (أو المراهقية) فقد ارتبط بالكتاب قبل الخروج من
الوطن، ولكن ارتباطي به اشتد لما وجدت نفسي في معزل عن الوطن آنذاك بسبب شح
الاخبار ووسائل الاتصال حينها، فقررت اثناء تلك الرحلة اصطحاب كتاب معي لأشغل به
الوقت في الطائرة، والمصيبة ليست في اصطحاب الكتاب ولكن في الكتاب نفسه، فقد وقع
اختيار السيء على مذكرات الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى، واني لأعجب الآن
من غفلتي تلك وسذاجتي، فكشك رحمه الله معروف بمواقفه من كل الحكام، فلست ادري
لماذا لم افكر في العواقب التي ستترتب علي من جراء مذكراته تلك، ولكن الوالد حفظه
تعالى لما لمح عندي الكتاب قبل النزول بقليل وعليه صورة الشيخ تغير وجهه وغضب
وسحبه مني ولست ادري اين خبأه، وكان من فضل الله علينا ان صحبنا أحد أصدقاء الوالد
وله معارف في المطار فخرجنا دون تفتيش الجمارك. وقد عاتبني الوالد جزاه الله خيرا
كثيرا على تصرفي الطائش، فقررت ترك الكتاب في البلاد، رغم اني استعرته فقط من احد
اصدقائي، وظل الكتاب عند ابن عمتي الاستاذ محمد بموح ـ وهو من المتابعين لهذه
المذكرات والمشجعين على مواصلة كتابتها ـ ثم استرجعته منه لما طالبني صديقي به، ولكن بعد
الحادثة هذه بسنين، وقد خفت الاوضاع الامنية. بعد هذا الفاصل نرجع الى الرحلة
الحالية، حيث الطائرة تحلق الآن حول اجواء المملكة، إنه حقا شعور غريب، يشعر به
المرء وهو فوق أرض الوطن، ولعله بسبب المآرب التي تقضت هناك في زمن الصبا، كما قال
الشاعر ابن الرومي :
|
ولي
وطن آليت أن لا أبيعه
|
وأن
لا أرى غيري له الدهر مالكا
|
|
فقد
ألفته النفس حتى كأنه
|
لها
جسد لولاه غودرت هالكا
|
|
وحبب
أوطان الرجال إليهم
|
مآرب
قضاها الشباب هنالكا
|
|
إذا
ذكروا أوطانهم ذكرتهموا
|
عهود
الصبا فيها فحنوا لذلكا
|
أظن أني
قد أطلت هذه المرة وانتقلت بكم من هنا وهناك كأنه هذيان محموم أو عربدة مخمور
ولكني ذكرتكم بهذا في المقدمة، وانتم قبلتم شروطي وإلا لما وصلتم معي الى هذا الموضع.