لم اتصور وانا اكتب هذه المذكرات، أن تاخذ هذا المنحى، فهي كالمسافر
الذي يخرج للرحلة على غير قصد، وغايته أن يرى الدنيا وما حوته من عجائب، وقد يقصد
الى مكان فيسمع عن آخر فيحول وجهته اليه، وكذلكم هذه المذكرات، الغرض وصف رحلتي،
فيصادفني اثناء ذلك حادث مشابه في حياتي لما انا بروايته فاعرج عليه ثم ارجع الى
مواصلة حديثي فالغرض هو إمتاع القارىء بهذه السطور، وقد يرد علي من القراء الكرام
تعليق فوحي إلي بافكار أخرى، فأرقمها في بداية كل مذكرة، فتجمع بين الذكريات
والمقال، فالمهم اصبروا معي على ذلك. قال لي محدثي لما قرأ ما كتبته من مشاعري في
طول الغربة عن الوطن، ان المرء يعجب منك وهو يراك يظهر عليك الفرح وتبتسم وتضحك،
وانت تحمل تلك الهموم، فقلت له بارك الله فيك، إن من فضل الله علينا، ان تلك
المشاعر لا تكون ملازمة للمرء سائر يومه، فقد ينشغل عنها بغيرها والا كان مصابا
بالاكتئاب والغم، فنعوذ بالله من الغم والهم. اما بعد: فقد ركب بجواري في الطائرة،
مسافر، من النوع المميز، فقد رايته قبل اقلاع الطائرة ينظر الى النافذة، ولكنه لم
ينبس ببنت شفة، فعلمت انه يتوق لمشاهدة الخارج، وكنت جالسا بجوار النافذة، فرحمته
واشفقت عليه، فهو يريد التمتع برؤية العالم الخارجي، المتعدد المناظر بدل هذه
المقصورة الضيقة، التي يستطيع المرء اكتشاف كل ما بداخلها في لحظات يسيرة، فاردت
ان اعرض عليه تبادل الامكنة، فترددت اولا ولما عرضت عليه الامر، اشار براسه ان نعم
ولكن الطائرة كانت على وشك الانطلاق، وكانا قد لبسنا حزام الامان، فقال له والده،
انتظر حتى تستقر الطائرة في جو السماء، ولما استقرت كان صاحبي الصغير، قد انشغل
باللعب في جوال والده، ونسي النظر الى النافذة، وكذلك الاطفال يفعلون فهم لا
يستقرون على راي وسرعان ما يملون، الا اذا تعلق الامر باللعب، فهم لا يكادون يملون
منه، وربما سمح لابيه ان ياخذ دوره في اللعب، ولما اقتربنا من الهبوط، واخذ منه
والده هاتفه ليغط في نومه، سالته ان كان يريد ان ينظر من النافذة، فشار ان نعم،
فتبادلنا الامكنة، فجعل ينظر منها مدة ثم سرعان ما مل، وجلس واغلقها، ثم التفت
وراءه فوجد طفلين فساله احدهما عن سنه، واسمه وسرعان ما بدأ التالف بينهم،
وشرعوافي اللعب والمرح. هذا الطفل عاد بي الى طفولتي لاقارن نفسي به حيث انه في
هذه السن التي دون الخامسة وهو يركب الطائرة غير خائف ولا وجل، بل متبسما ضاحكا
مرحا، جعلني اعجب من حالي في مثل هذه السن كيف كنا نخف من اشياء اقل من هذا، فقد
كنت اخاف ممن يلبس النظارة ، ولا تسالوني لماذا، بل كانوا يخوفننا بأولاد
المسلمين، لا تعجبوا نعم كنا نخاف اولاد المسلمين، اي اننا كنا نخاف من انفسنا،
ولعل هذا مما تلقفه الناس في قريتنا من اليهود الذين كانوا يعيشون فيها، المهم لقد
تربينا على الخوف من اشياء لا حقيقة لها، بل قد تضحكون مني او تعجبون ان هذا الخوف
ظل ملازما لي حتى وانا فوق العاشرة ، فقد كنت اخاف ان ازور الطابق العلوي في بيتنا
بالليل وحدي، ولو كانت الانارة الكهربائية متوفرة، ولعل السبب في ذلك ان اهلينا
كانوا يخوفننا كثيرا بالغول وما شابه لاسكاتنا او لايقاف شغبنا، غير عالمينا باثار
ذلك السلبية على نفسية الطفل. الان وقد اوشكت الطائرة على الهبوط، ادركتاني اطلت
الحديث عن الرحلة التي استغرقت فقط اربع ساعات، ولقد ذكرني فعلي هذا بحلقات
الكابين ماجد التي تدوم اياما في سرد ذكريات ماجد، بين تسديده الكرة الى المرمى
وبين وصلها اليه.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen