المرء لا يعرف
قيمة الاشخاص والاشياء، الا حين يفقدها، وذلك ان الف العادة يجعلها غير ذات بال،
ولكن تغير العادة بزوال او اختفاء تلك الاشياء يشعر حينها باهميتها، فالشمس في
بلاد البرد والغيوم لها قيمة ليست لها في البلاد الصاحية الساخنة، بل ان اهل شمال
اوروبا ينفقون الاموال للتمتع باشعتها، فبكثرة الامساس يقل الاحساس. اقول هذا
الكلام وانا اتذكر اول مرة سمعت فيه الاذان في هذه الرحلة، فهذه النعمة، لا يعرف
قدرها الا من فقدها، واني لاعجب ممن ينادي بتخفيض صوته، وربما في مستقبل الايام ان
ينادى بالصلاة فقط في المساجد، كالحال في البلاد غير الاسلامية، ولقد انخفض صوته
الى درجة لا تكاد تتبين ما يقوله المؤذن الا على مسافة قريبة من المسجد، واحيانا
تكون في مكان تسمع فيه اكثر من اذان ولا تفهم ما يقوله، ولقد صدق من قال : احيانا
في رمضان نسمع قبيل المغرب صوت دراجة نارية فنظنه اذان المغرب، فصوت الدراجة لا
يختلف عن الاذان. اما في بلاد
الغرب فلا تسمع الاذان الا داخل المساجد، فلا يكون وقعه كوقعه هنا لانك تسمعه وانت
منهمك في شغلك، بخلاف هناك فانت تسمعه وانت قد جئت اصلا للصلاة في المسجد. كذلك
حين تدخل الى المساجد في المغرب، تحس بذلك، فلا تكاد تنسى دعاء الدخول والخروج
منه، أما في البلاد الغربية، فلا تحس بانك داخل الى المسجد لانه احيانا يكون بابه
كباب البيوت الاخرى، وبعضها بابه كباب المآرب، وقد حدث مرة ان زرت مسجدا في احد
المدن الالمانية، رفقة بعض الاخوة، ولما اردت زيارته مرة اخرى، ظللت احوب الشارع
الذي كان فيه جيئة وذهابا، فلم اعثر عليه، حتى يسر الله تعالى لي احد الاخوة الذي
كان ميمما المسجد فذهبت معه، ومن الطرائف العجيبة ان احد المساجد كان بجواره مرقص
فاضح، عليه صور فاضحة، فنزل احد المسافرين بفندق قرب ذلك المسجد، فكان يرى اصحاب
اللحى والقمصان، يدخلون الى المسجد، من بابه الذي ظنه بابا للمرقص لقربه منه
فاستغرب كيف يدخل اصحاب هذا الزي الى المرقص، ولم يزل استغرابه الا حين علم بان
الباب للمسجد، وهذا من مساوىء تلك البلاد، ان تجد الخمارة والمرقص بجوار المسجد،
بخلاف بلادنا فمهما بلغ بعد الناس عن الدين فما زالوا يحترمون المساجد والشعائر
الدينية، ويحترمون من يرون منه الاستقامة. ومما اختم به
هذه الحلقة مما لاحظته في بعض المساجد، وهو امر لا ادعي فيه الحكم على البواطن،
فتلك علمها الى علام الغيوب، ولا ازعم كذلك اني سالم من العيوب، ولكن هناك اهمية
للسمت الظاهر في القدوة والاسوة، فقد اشترط العلماء المروءة والعدالة في بعض
الوظائف، منها الامامة، فقد لاحظت اهمال بعض الائمة للسمت الظاهر من اعفاء اللحى،
او على الاقل ترك بعضها، فبعضهم هداهم الله تعالى يحلقها يوميا، ولا تكاد تفرق
بينه وبين موضفي البنوك الا بالجلباب.
Keine Kommentare:
Kommentar veröffentlichen