بدأت مشاعر مختلفة تزدحم في داخلي، وصرت اتخيل ما سيستقبلني في هذه
الرحلة، وكيف غير الزمان ملامح الاقارب والاحباب، هذه الافكار كانت مصاحبة لي منذ
بداية الرحلة، كما ذكرت لكم، ولكنها كلما اقتربت من الهدف ازدات، وما ان اعلن الطيار
عن الاستعداد للهبوط، وربط احزمة السلامة حتى بدات اتوتر اكثر، وكما كان الاقلاع
مهيبا ومشعرا باحساس عجيب تتجلى فيه قدرة الله تعالى، كذلك الهبوط، فالطائرة بدات
ترتج وتضطرب كانه تسير على طريق غير معبد وتصطدم بالصخور، وذلك لانها فعلا تصطدم
بالتيار الهوائي في طبقات جوية مختلفة الضعط. ورويدا رويدا تبدأ الارض تكبر شيئا
فشيئا حتى تعود الى حجمها الطبيعي، وهنا يخيم جو من الهدوء داخل الطائرة، الى ان
تصطدم عجلات الطائرة بالارض وتستقر عليها هنا ينطلق الركاب بالتصفيق مهنئنا وشاكرا
الطيار الذي كان سببا في سلامتهم، ويغفل اكثرهم عن مسبب الاسباب سبحانه وتعالى.
لقد عدنا الى الارض وكنا معلقين بينها وبين السماء. بعد اجراءات الدخول المعتادة،
من فحص الاوراق وتسجيل الدخول، هذه الاجرات التي نضيق بها صدرا، وقد صبرنا على
ساعات قبلها منذ فارقنا بيتنا، فترى الناس يهرعون الى ان يكونوا هم الاولين، وما
ذلك الا لانهم يضيقون بالانتظار ذرعا، والا فالاوقات تضيع في اشياء اخر لا قيمة
لها، ولان عاب البعض بطأ الموظف عندنا فمن المؤسف ان اولئك الذين كانوا يلتزمون
بالنظام هناك في الغرب، فكلهم يقف في الصف حتى ياتي دوره، ما ان تطأ ارجلهم ارض
البلاد حتى يختل ذلك النظام، وتقع الفوضى، فلعل ذلك راجع الى عامل نفسي، او هرمون
خاص بالبلاد، يتغير حسب نظام البلد الذي يدخله. بعد تلك الاجرات واستلام الامتعة،
وجدنا في استقبالنا خالتي فاطمة وابنها محمد الذي استقبلني بمزاحه المعهود، حاله
حال اليه الحاج مبارك، فزعم اني تاخرت في الخروج بسبب التحقيق لطول غياب عن
البلاد، وبسبب اللحية، والى جماعة انتمي. وفي طريق المطار الى البيت، جعلت القب
النظر في جنباته، كل شيء تقريبا كما عهدته غير ما اتى عليه من اختلاف الملوين،
فاشجار اركان التي تركتها وهي شجيرات بغابات الاركان قبيل المطعر قد صارت عظيمة،
وسور محمية طبيعية، قد انشأها احد الخليجيين على مقربة من المطار، قد تقادم عهده،
وصار لونه باهتا، الطرقات مكتظة، والنظام عدم النظام. اذا كان الشيخ الحويني حفظه
الله تعالى قد استغرب فوضى الطرق لما عاد من رحلة علاجه من المانيا، والتي استغرقت
اشهرا قليلة فكيف بمن عاش هناك حينا من الدهر ليس بالقليل، لذلك كل من زار المغرب
من ابنائه يشكر البلاد ويشكو من العباد، وغالبا ما تسمع ( المغرب زين ولكن البشر)،
فاقول له : (كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم) وقلت لاحدهم مرة ليست المشكلة في
الناس في البلاد، ولكن المشكلة فينا لاننا تعودنا على نظام هذه البلاد، فصرنا
نحاكم اليه اهل بلدنا. لذلك فما على الزائر الا ان يتاقلم مع الوضع، لان كثرة
التبرم من الوضع لن تغيره، وبدل لعن الظلام اشعل شمعة. وليحاول المرء اصلاح نفسه
اولا ومن في رعايته، فاذا فعل فهو عظيم، واما ان نشكو من المشكلة ونحن منغمسون
فيها بل وجزء منها، فلا اراه الا صرخة في واد ونفخة في رماد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بارك الله فيك على هاته المذكرات الجميلة ، بل ألفنا لعن الظلام ونسينا كيف يشعل الشمع، اضرب لك مثالا عشته اليوم قبل ساعات فقط حيث التقيت بعض الاصدقاء القدامى منهم من يعيش في امريكا ومنهم المتعلم والجامعي ولم استطع اقناعهم عدم رمي قشور "الزريعة " على الأرض ولم ياخدوا الامر بجدية ولا زلت اكلمهم حتى جعلوا مكان وقوفنا دائرة من القشور التي سينحني ظهر عامل نظافة لإزالتها. فلا يتغير حالنا فعلا الا اذا بدأنا بإصلاح انفسنا والله المستعان
AntwortenLöschen